[x]
[x]
الرئيسيةعاجلالأسطرة سر نكبتنا الثقافية (مقال)

الأسطرة سر نكبتنا الثقافية (مقال)

الأكثر قراءة

قد يعجبك ايضا

الأسطرة سر نكبتنا الثقافية؛ فهي ظاهرة تتوارثها الكائنات الشمال بمسمياتها وتفريعاتها المتنوعة، من شيوعية ليسارية لاشتراكية لناصرية لعلمانية لتنويرية، حيث تتخفى الشمال تحت عباءة هذه الأسماء الرنانة.. فهم يجعلون من كل كائن حي يعتنق عقيدتهم أسطورة في مجاله، وهذا لا ينفي أنه متميز، ولكن المبالغة وجعل الانتماء هو المقياس العلمي والفني، هذا هو الكارثة.. أسماء حفرت لأنفسها أحرفًا من نور في سجل التاريخ.. هي ناجحة بلا شك، ولكن أساس أسطرتها أيديولوجي.

لا تُصدَموا عندما أتكلم مثلاً عن صلاح عبد الصبور، أو صلاح جاهين، أو نجيب محفوظ، أو يوسف إدريس، أو أمل دنقل، أو أحمد مطر، أو ناجي العلي، أو أو، فمن المُسلَّمات أنهم عمالقة، ولكن أساس عملقتهم التوجه لا المهنية.

في عصورهم كان هناك من لا يقلُّون عنهم، بل من يفوقونهم، ولكنهم بتعاسة عقلهم، لم يتبنَّوا توجهاتهم؛ لذا ردموا عليهم.

من سوء حظنا أنه ليس هناك أنبياء في الأدب، وإن كان أولئك الكائنات التنويرية لا تؤمن بالأنبياء، ولا بالله، ولكن أقصد لم يبلغ منهم ولا من البشر أحد حد الكمال؛ لذا عندما تقرأ الأعمال الكاملة لهم، فلن تجد نفس التوهج فيها.. هناك صعود وهبوط.. مد وجزر.. تمدد وضمور.

الشاعر المذهل نزار قباني مثلاً لديه أشعار وسط، وأشعار فوق، وأشعار يعني.

ولا يعني انتقادي لهم أني أقلل من قدرهم، كما لا يعني أني أضع نفسي في مقارنة بهم؛ فليس من المنطق عندما تنتقد أكلة في مطعم أن يرد عليك صاحب المطعم أو الطاهي بقوله: اطبخ زيه.

كما أن الجهاز الذي أشتريه، ولا يناسب احتياجاتي، لست مطالبًا بأن أبتكر جهازًا يناسبني؛ فأنا مستهلك، وهو منتج.

هو المطالب بإنتاج يليق بمكانته، ويناسب احتياجاتي.

لذا فانتقادي ليس من باب الفزلكة أو التنظير، وإنما رصد لظاهرة بيِّنة لكل ذي عينين.

نجيب محفوظ حاز جائزة نوبل بسبب أولاد حارتنا، رغم أن لديه من الأعمال ما يكفي لتخليده بين عظماء الأدب، ولكن هذا العمل بالذات هو سر سعادته. ولا أريد أن أسمع من “يتحمق” ويدافع عن الرواية؛ لأن العظيم نجيب محفوظ نفسه أقرَّ بأنه كان متأثرًا وقتها بالفكر الاشتراكي (اللي هو الشيوعي الإلحادي).

صلاح جاهين نفسه اعترف للمرحوم خيري شلبي بأنه كان مضطرًّا لكتابة أعمال تافهة لتمسيخ الشباب، وعقَّب بأنه استطاع أن يوازن بين الفن والمطلوب منه، والسيف على رقبته، فلا أسمعنَّ مدافعًا عنه عمَّال على بطَّال.

لو أننا تعاملنا مع الإبداع دون أي مآرب أخرى، لتَسيَّدَ أولئك العظماء عرش الأدب دون حاجة للعنصرية الإلحادية، التي وإن نفعتهم في النجومية، إلا أنها ضرَّتهم فيما بعد النجومية.

كما أن هناك أسماء تَبوَّأت مكانات لا تستحقها؛ لذا يعفُّ لساني عن ذكرهم، ولا يزال دينهم يواصل رفع أشكال كل مؤهلاتها الغل من الدين والعرف والأخلاق.. فقط بهذه المؤهلات يُركِّبونهم على مبدعين، حرف منهم بكل ما نفثوه من كتابات تولدت من نفوسهم المريضة وعقولهم الضامرة وعقيدتهم الشاذة.

وسبحان مغير الأحوال!! ففي المقابل تجد مؤسسين في مصر مات ذكرهم وهم أحياء، وأفَجُّ مثال زهدي العدوي، وهو من أقطاب الشيوعية، وكان ثالث ثلاثة أسسوا فن الكاريكاتير في مصر، هو وصاورخان ورخا، تعجَبُ من أنه وهو حي عانى التجاهل الشديد، والسر في هذا أنه كان شيوعيًّا محترمًا.. يعتنق مذهبًا بأدب.. لا يتطاول لسانه، ولا يتسافل ككثيرين جدًّا من هاموش الشيوعيين في مصر.. كنت كل يوم أحد أسهر في شقته بشارع شريف، ورغم شيوعيته، كان في كل زيارة له يجهز لي مصلية؛ حتى لا أنصرف بدري، فتضيع عليَّ صلاة العشاء. كما أنه حذرني ذات مرة من صديقة من الرفيقات، هو أدرى بهن؛ لأنه يعرف أنني متدين.

وكان أتفه شيء يمكن أن نتكلم فيه ثريًّا ثراء مُتخَمًا.. أذكر أنني أثناء تناولي الشاي، دار حديث عنه، وكان حاضرًا معنا مختار السويفي وعز العرب، وكان حوارًا مشوقًا جدًّا، عرفت منه تفاصيل عجيبة عن زراعة وجني وصناعة وأنواع الشاي.

وأذكر أنني طوال تواجدي معهم، لم يحدث أن أحدًا من فريق الشيوعيين الكبار انتقدني مرة، أو لمزني بكلمة، أو حتى تلميحة.

لهذا لم نجدهم من أساطير الفكر والأدب في مصر، رغم أنهم كانوا من أبدع خلق الله.. ولا أقصد بـ “أساطير” مجموعة أعمال صدرت لهم، وإنما الاحتفاء والاحتفال بهم، وبروزتهم كما يتم بروزة غيرهم من أنصاف مواهبهم.

قناعتي أو عقيدتي في الإبداع أنك حتى لو تعبد جاموسة، أو تعبد نفسك، ما دمتَ مبدعًا، فحقك أن تكون في مصافِّ العظماء، بعيدًا عن توجهك أو عقيدتك، ولكن شلة اليساريين العلمانيين التنويريين الناصريين الملحدين قبلتُهم هي التوجُّه، حتى لو كنت حمارًا لا تعرف الفرق بين الألف وعود البرسيم، ثم تصدق نفسك، وتتصدر المشهد الإعلامي في تطوير الخطاب الديني، وكأنك المهدي المنتظر، وتتهم الدين بأنه وصي علينا، وأنت وصي على رقاب وأنفاس العباد، وهذه سر نكبتنا الثقافية.

 

*************************************

أعمال أخرى للكاتب:

إن فيها قومًا جبارين

قصيدة آلام وآمال

عندما تسيَّدنا عرش التقنية

إلى المقاومة الفلسطينية قصيدة حدثني يا أبي

بنت أصول| كلنا نعرف معنى زاط.. تعالوا نتعرف على معاني الزيطة والزيط والزياط

بنت أصول| معنى خرع الطري.. تعالَ نتعرف على الخراعة والخُروعة والخَريع

بنت أصول| كلنا نعرف معنى طِفِس.. هل تعرف الفرق بين طَفاسة وطُفوس وطافِس؟

بنت أصول| تعرف أن معنى أهطل هو الكريم بسخاء؟ كلمات عامية في معاجمنا اللغوية

بنت أصول| معنى فلحوس مدعي العلم.. تعال نتعرف على فلحاس وفلحسة وفلنحس

بنت أصول| هل تعلم أن أتاري فصيحة أصلها أثاري ولها أسرة في لغتنا العربية؟

بنت أصول| استنَّى أصلها استأنى بمعنى انتظر.. فماذا عن الأناة والأنَوَات؟

بنت أصول| لو عرفت معناها هتتمنى يقولوا إنك رخم ويرموا عليك رخامتهم

بنت أصول: كلمات عامية فصيحة: معنى أروبة وأصلها وفصلها اللغوي

بنت أصول: تعرف أن الجزمة تؤكل؟ هذا ما تقوله معاجم لغتنا

بنت أصول| هل تعرف معنى رحرح؟ تعالوا نتعرف على الرحراح والرحرحان

بنت أصول| الردح موشح من الكلام البذيء.. ولكنه في الفصحى ضخم رِدْفِ المرأة

الأخبار المتعلقة

المصدرعاطف صبيح