[x]
[x]
الرئيسيةثقافةالطفل الكبير الذي أفسد قاموس أجيال

الطفل الكبير الذي أفسد قاموس أجيال

الأكثر قراءة

قد يعجبك ايضا

كل مَن يعرفني يجزم أني طفل كبير، ولكن ما لا يعرفونه أن الطفل الكبير هو الذي أفسد قاموس أجيال، وهذا شيء يدعو للخزي. فهذا “الطفل الكبير” يحمل ذنبهم. بدأ هذا الوزر عام 1993 بعفوية؛ حيث كنت أُفنِّن كلمات وجملاً وتراكيب للتجويد لا أكثر في كلامي العادي، بعضها مسجوع، وبعضها ملعوب في تراكيبه وبنيته الصرفية، أو ما يُسمَّى بالنحت اللغوي. حتى ذلك الوقت كان الأمر طريفًا، ويتداوله الزملاء والأصدقاء على نطاق ضيق، إلى أن طلب شامخ الشندويلي في عام 1994 على ما أذكر أن يقابلني، وكان يكتب أوبرتات للأطفال، وجاء ليسلمها لشركة سفير، المتخصصة في النشر للأطفال، التي عملتُ بها وقتها رئيسًا لقسم المراجعة.

ولما قابلته، وجدته يتفحَّصني، وكنت وقتها أحتفظ ببقايا تربيتي في الزقازيق، فخجلتُ من نظراته،، فتعجَّبَ، ثم قال لي:

إنت اللي مألِّف الكلام اللي أنا سمعته؟

قلت: نعم.. باهزَّر يعني.

قال: باستأذنك أستعير حاجة منها.

قلت: يا باشا خد اللي انت عايزه.. أنا مش زِرِنْباح.

فانفجر في الضحك، وقال: لا.. أنت مشكلة.. طيب ممكن تقول لي حاجات تانية؟

فأحضرت ورقة بها بعض الكلمات، أذكر منها: طيطة، بِرِبِئّ، أرأرأ، سأسأ، نأنأ، بأبأ، هُوأَّة، مُوأَّة، نُوأَّة، أُبْؤب، سَرءُوب، تَرتُوح، توكتوك، تَنبُوخ.

فقال: فيك روح شاعر.

قلت: أنا شاعر من الإعدادية، ومعروف من وقتها بعاطف الشاعر.

فملأت وجهه ابتسامة عريضة.

تابعت: أنا اللي كاتب الـ 120 أغنية لحلقات أستاذنا أيمن اللي بتتذاع على القناة الأولى.

قال وهو يزمُّ شفتيه: عظيم.. شغال مع المخرج العبقري أحمد سعد؟! لازم نقعد مع بعض.

لم نقعد مع بعض، وكان هذا الحوار عاديًّا بالنسبة لي؛ لأني أومن بمبدأ غريب.. أَخْذُ لتر لبن لن يضر ما دامت البقرة الحلوب تنتج.

 

الطفل الكبير الذي أفسد قاموس أجيال

 

مرت سنوات، كنت أكملتُ فيها قاموسًا يحتوي على أكثر من 500 كلمة، وتَطوَّرَ الأمر إلى أن اقترحت داليا داود (عبقرية الإنترنت في ذلك الوقت، وكانت صاحبة شركة إنتاج) عمل حلقات عن شخصية “حركاتو”؛ لنشر هذه الثقافة الجديدة. وبالفعل تم الاتفاق مع قناة “أون تي في”، والتي كانت ستُفتتَح بهذه الحلقات؛ لتكون ثاني قنوات نجيب ساويرس بعد “أو تي في”.

حركاتو هو شاب إنترنتي (مابيت)، مولود وعايش في الإنترنت، ويُفتي في كل شيء وأي شيء بطريقة خدَّاعة، تسمعه فتقتنع بأن كلام تنظيري تحليلي علمي منطقي منهجي وووو، ولكن مع التركيز تكتشف أنه خدعك بكلام مُلفَّق مُنمَّق، ورمزتُ به لمثقفي اليسارية والعلمانية ووسط البلد. وكانت الحلقات تجمع بين التوك شو والست كوم.

تعاقدَتْ “أون تي في” على الحلقات، وكان هناك شرط جزائي لمن يخل بالاتفاق 600 ألف جنيه، وسهرنا في شقة المخرج حلمي عبد المجيد، وتم عمل تصميم 3D للاستوديو، والاتفاق على تسجيل 13 حلقة دفعة واحدة، على أن يبدأ تنفيذ التصميم من الغد.

وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.. فقد كرهتُ بكل كياني اتصالاً في الساعة الثانية صباحًا أن القناة لن تذيع الحلقات. قلت: أحسن ناخد الـ 600 ألف، ونبيع حركاتو لغيرهم، فكان الرد: ما ينفعش.. القناة وكل القنوات وقَّعَت على وثيقة الإعلاميين العرب، والحلقات لو اتذاعت هتقفل القناة. وقتها كان لي باب ثابت في جريدة إيجيبشيان جازيت، فاقترح رئيس تحريرها رمضان عبد القادر عمل تحقيق عن أول وأسرع ضحايا وثيقة الإعلاميين، فكان رد داليا بالرفض؛ حتى لا تخسر القناة في شغل تاني.

وأُسدِلَ الستار على حركاتو، ولكن.. وآه من “لكن”….

كان قاموس حركاتو، الذي نشرناه وقتها على الإنترنت، مع الدعاية الكبيرة له، قد انتشر بسرعة عجيبة، وبدأت أجد حركاتو في الشارع وفي كل مكان، وتطور سلم الإفساد اللغوي من روش طحن إلى ألفاظ مخزية، لا علاقة لي بها، ألقاها البعض؛ ليعكِّر صفو المياه على الجيل الجديد، الذي هو أمانة في أعناقنا. وأشعلَ الأمرُ تفجُّرُ مواقع التواصل بما تملكه من سرعة فائقة في نقل الكلمة.

ويشهد الله – عز وجل – أني لم أقصد، ولم يخطر ببالي أن يتسبَّب حركاتو في عمل حراك ثقافي، يشعل شرارة تدمير جيل كامل؛ حيث كان مُوجَّهًا لانتقاد المجتمع، وهو سبب فسخ عقد “أون تي في”، ومصطلحاته صيغت لهذا الغرض، وللتحبيب في لغتنا العربية، التي تتميز بالطرافة واشتقاق كلمات جديدة منها، وليست لتوجيه سلوكيات تكسر كل الأعراف والتقاليد، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي سفينتي.

سنين وسنين وأنا مكتوم، وأخيرًا امتلكت اليوم شجاعة الاعتراف بجريمتي، عسى الله أن يبدل عسرنا يسرًا.. إنه على ذلك قدير.

 

أعمال أخرى للكاتب:

تطوير الخطاب الديني.. الفرق بين الدعوة والدعاية للإسلام

الإلحاد أفيون الشعوب

حكاياتي مع الملحدين.. أهم سمات التنويريين والتحويريين (1)

عصارة تجربتي في الحياة.. حكمي للأجيال (4)

عصارة تجربتي في الحياة.. حكمي للأجيال (3)

عصارة تجربتي في الحياة.. حكمي للأجيال (2)

عصارة تجربتي في الحياة.. حكمي للأجيال (1)

أغنية راب: العناد ما يجيش معايا

برهوم سالوبيت.. الكل في الكل

الإلحاد أفيون الشعوب

مهرجان الجونة للأزياء والسليكون

“ما باخافش إلا من اللي خلقني” لا شجاعة ولا إيمان

الأسطرة سر نكبتنا الثقافية (مقال)

كسر غرور أمير الشعراء والعقاد.. محمود أبو الوفا سباق غايات البيان

قصيدة جنين فتاتي الصغرى

العبوا فارم هيروز Farm Heroes لتعرفوا طباع الأعدقاء

بالإجماع.. الحب في الإسلام لا عيب ولا حرام

وإذا خاصم فجر

طفيت شمعي أنا بإيدي (من ديوان ترانيم وتهاويم – 2019)

أصناف من الجنس البشري

مقالات عاطف صبيح: ثقافة السوَّاقين ولعبة الريست في الصدام البشري

مقالات عاطف صبيح: سامح يا شيخ

لماذا خلقنا الله؟

نيران الغل أشد على نفوسهم من نار جهنم (مقال)

إبليس البئيس والجيل التعيس

الحب من قبلِ النظرة

 الحرية العوراء

الفنان الأعظم سمير غانم.. عندما تخذلك الكلمات عن الإفصاح

إن فيها قومًا جبارين

قصيدة آلام وآمال

عندما تسيَّدنا عرش التقنية

إلى المقاومة الفلسطينية قصيدة حدثني يا أبي

الأخبار المتعلقة

المصدرعاطف صبيح