[x]
[x]
الرئيسيةثقافةمقالات عاطف صبيح: الحب من قبلِ النظرة

مقالات عاطف صبيح: الحب من قبلِ النظرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك ايضا

الحب من قبلِ النظرة

لا يزال الحب من أول نظرة مثار جدل عقيم، رغم مرور آلاف السنين على تلك الظاهرة، وسيظل الجدل بينهم إلى يوم القيامة. وهم لا يدركون أن هناك الأرقى والأسمى، وهو الحب من قبل النظرة.

وحاول بعض فلاسفة “ودنك منين يا جحا” تفسير الأمر على أنه رؤيا في المنام، بينما الأمر أبسط من هذا بكثير، ليس فيه ملفات ولا دورانات.

أخبرني شخص، صار من أحبِّ أصدقائي، أنه أول مرة رآني فيها، شعر بأنه يعرفني تمام المعرفة، وعبثًا حاول عصر ذهنه؛ بحثًا عن مناسبة تقابلنا فيها، ولما لم يجد، ابتسمتُ، وقلتُ له: هذا أفضل. وأوضحتُ أن عدم لقائنا من قبلُ يؤكد أن بيننا حبًّا من قبلِ النظرة.

 

الحب من قبل النظرة

 

كثيرًا ما تقابل أناسًا، وتكون متأكدًا تمامًا أنك تعرفهم، ولا تفهم سر هذا اليقين. هذا السر كشفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

هذه الكلمات البسيطة حلت قضية فلسفية بالغة التعقيد، فالإنسان قبل نزوله إلى الأرض، يكون روحًا خلقها الله في جنة غير جنة الآخرة، مكانها في اللوح المحفوظ، لا يعلمه إلا الله.

وهذه الأرواح يوجد بيننا تآلف وانجذاب، كما يوجد بينها تنافر واختلاف، وهو ما قاله الإمام ابن قيم الجوزية.

وذُكِر في سبب هذا الحديث أن امرأة بمكة كانت تضحك الناس، فجاءت إلى المدينة، فنزلت على امرأة تضحك الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة.

كما أن العرب يقولون: الطيور على أشكالها تقع.

أقول هذا لأني عشت تجربة أعجب من العجب، وأروع من الخيال، وهي تعارفي على أسرة كبيرة من أم وأبناء، وأزواج بنات، وأخوال، وأحفاد.. أسرة قوامها يصل إلى العشرين، وهذه الأسرة لم أحبها من أول نظرة، بل من قبل النظرة، حتى إنني كنت ذاهبًا إليهم؛ لأرى صور وأشكال من أحببتهم قبل أن أراهم، وقد وجدتهم أجمل وأعظم مما تخيلتهم.

أكثر ما لفت انتباهي، وأثار انبهاري، شيئان، الأول أنهم جميعهم على تنوع صورهم، واختلاف أعمارهم، نسخة واحدة، تحس أنهم روح واحدة تجسدت في مجموعة من البشر.

انسجام روحي عجيب، وتناغم اجتماعي نادر، أحسست أن أمهم شجرة هم فروعها، شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، شجرة كل ثمارها واحدة في الشكل واللون والطعم وكل شيء.

والثاني أني وأسرتي وجدنا أنفسنا فروعًا في تلك الشجرة السامقة، حتى إن من يرانا من خارج الأسرة لن يصدق أبدًا أننا أسرتان مختلفتان، فلم يكن مجرد إحساس أو رؤيا، بل واقعًا شعر به، وعاشه الجميع.

إنه الحب من قبل النظرة، حب الأرواح الجنود المجندة.

 

أعمال أخرى للكاتب

نيران الغل أشد على نفوسهم من نار جهنم (مقال)

إبليس البئيس والجيل التعيس

 الحرية العوراء

الفنان الأعظم سمير غانم.. عندما تخذلك الكلمات عن الإفصاح

إن فيها قومًا جبارين

قصيدة آلام وآمال

عندما تسيَّدنا عرش التقنية

إلى المقاومة الفلسطينية قصيدة حدثني يا أبي

 

الأخبار المتعلقة

المصدرعاطف صبيح